السلطان صلاح الدين الأيوبي

السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله

q

ولد فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة للهجرة بقلعة تكريت فى العراق.
كان رحمه الله أشعري العقيدة شافعي المذهب، ورعا دينا زاهدا شديد المواظبة على صلاة الجماعة، حريصا على السنن والنوافل وقيام الليل، كثير الذكر، ويحب سماع القرءان، و يختار إمام الناس فى الصلاة بنفسه يبحث عن صاحب الصوت الجميل والخلال الحسنة.

كان خاشع القلب غزير الدمعة، إذا سمع القرءان خشع قلبه ودمعت عيناه، رفيقا حليما شفوقا ناصحا محبا للعلم وطلبه، شديد الرغبة فى سماع الحديث، كثير التعظيم لشعائر الإسلام.

حسن العشرة، عادلا رؤوفا بالناس، رحيما ناصرا للمظلوم والضعيف، شجاعا كريمًا، صبورا، حليمًا، حسنَ الأخلاق، عالما صالحا متواضعا، ضحوك الوجه كثير البِشر أحسن الملوك سيرة وأطهرهم سريرة يُشبّه بالملك العادل نور الدين الشهيد، حافظا لكتاب الله، حافظا لكتابِ التنبيهِ في الفقه الشافعي، قرأ في الفقه مختصر سليم الرازي، كثير سماع الحديث، حافظا لكتاب الحماسة، قانتا لله لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان في مجلسه يجمع العلماء والفضلاء والفقراء، وأصحابه كأنما على قلب رجل واحد، طاهر المجلس طيب الكلام، لا يسمح لأحد أن يذكر أحدا بين يديه إلا بخير، يرفض الغيبة والنميمة، طاهر السمع، طاهر اللسان، طاهر القلب. وقد عرف بالعطف على كل ضعيف ، لا سيما الأطفال والنساء والشيوخ .

وكان يحكم من أقصى اليمن الى الموصل، ومن طرابلس الغرب الى النوبة. وكانَ تحت الخليفةِ العباسي، كانَ ولي برَ الشام كُلَهُ، واليمنَ كُلَهُ بما فيهِ من الإمارات وقطر والبحرين وعُمان، والحِجازَ كُلَه، ونجداً كُلَهُ وهي البِلادُ التي يُسمى بَعضُها الرياض وبعضُها الدرعية وبعضُها بريدة، وولي مِصرَ، وكان مُتَقَشِّفًا في مأكلِه وملبسِه، لايلبس إلاّ الكتان والقطن والصوف، ولم يُؤخِّر صلاةً عن وقتِها، ولا صلّى إلا في جماعة، وكان متوكلا على الله لا يُفضّل في عزمه يوما على يوم، عمّر المساجد والمدارس والخوانق، وعمّر قلعة الجبل، وسور القاهرة، وبنى قبة الشافعي، وأبطل الضريبة، وفتح نيفا وسبعين مدينة وحصنا، وخلّص القدس وطهّرها من دنس الكفر بعدَ أن كانت تحت أيدي الكفار تسعينَ سنة . ودخلها في مشهد عظيم وفرح المسلمون بهذا النصر العظيم الذي أعاد لهم بيت المقدس ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في ليلة السابع والعشرين من رجب في ذكرى الإسراء والمعراج.

ومن مناقبه

بنى مدرسةً في القاهرة لتعليمِ العقيدةِ فقط، وأمرَ المؤذِّنينَ أن يُعلنوا وقتَ التسبيح على المآذِن بالليل، بذكرِ العقيدةِ المرشدة، فواظبَ المؤذِّنونَ على ذِكرها في كلِّ ليلةٍ بسائرِ الجوامع واستمروا عليها إلى ما يزيد على أربعمائة سنة، وفيها هذه الكلمات: الله موجودٌ قبلَ الخلقِ، ليس له قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يَمينٌ  ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ، ولا بعضٌ، ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان، كوَّنَ الأكوانَ، ودبَّـر الزمانَ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان.

وكان يحفظ ويُحفّظ أولاده عقيدة جمعها له القطب النيسابوري، هذا مع ما لديه من الفضائل والفوائد الفرائد في اللغة والأدب.

وكانَ أمرَ بتعليمِ كتاب ألفهُ عالم من عُلماء ذلِك العصر فقدمهُ للسُلطان صلاح الدين، فأعجب بهِ السُلطان فقرر تدريسهُ للصِغارِ والكِبار، وهو هذا الكِتاب المُسمى العقيدة الصلاحية شُهِرَ بينَ عُلماء أهل السنة بهذا اللفظ لأنهُ قررَ تدريسَ هذهِ العقيدة في المدارِس للصِغار والكِبار،  ذكر في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة والجماعة تنـزيه الله عن المكان وعن الجوارح وعن الجهات وإثبات صفة الكلام لله مع تنـزيه الله عن أن يكون كلامه بحرف وصوت ولغة كما هو كلام الخلق.

قالَ محمد بنُ هبة البرمكي (ت 599 هـ) في هذا الكِتاب :

  نظمتها للملك الأمين                                  الناصر الغازي صلاح الدين

 ذي العدل والجود معًا والباس                          يوسف محيي دولـة العبـاس

 ثم قال في تنـزيه الله عن المكان:

      وصانعُ العــالمِ لا يحويهِ                         قطرٌ تعالى اللهُ عـن تشبيهِ

     قد كانَ موجودًا ولا مكانَا                          وحكمهُ الآن على ماكـانَ

   سُبحانهُ جلّ عن المكـانِ                              وعـزّ عن تغيُرِ الزمانِ

   فقد غَـلا وزادَ في الغُـلوِ                            مــن خصهُ بجهةِ العـلو

   معنى ذلِك أن خالقَ العالم لا تحويهِ جهة لأنهُ مُنـزهٌ عن التشبيه، اللهُ تعالى كانَ موجودًا قبلَ المَكان ولم يكُن في الأزلِ فراغٌ ولا سماءٌ ولانورٌ ولا ظلام، اللهُ لا يتغير، فكما كانَ موجوداً قبلَ المكانِ بلا مكان لا يزالُ بعدَ خلقِ المكان موجودًا بلا مكانٍ ولا جهة. ويقول إن الله تعالى مُنـزهٌ عن أن يكونَ في مكان ومنـزهٌ من أن يجري عليهِ الزمان ويقول إن من الغلو أي مُجاوزة الحد أن يصف المرء اللهَ بأنهُ في جهة العلو لأن الجِهات بالنسبةِ إلى ذات الله كلٌ على حدٍ سواء، اللهُ غني عنها وعن سائر المخلوقات، فالسماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، هذهِ هي عقيدةُ كل المُسلمين وهي عقيدةُ الرسول والصحابة ومن خالفها فهو من الضالين.

وقد نقل تاج الدين السبكي في (( طبقات الشافعية )) عند ترجمة صلاح الدين الأيوبي مانصه : ((ومن الكتب والمراسيم منه كتب في النهي عن الخوض في الحرف والصوت ))

{ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [سورة الأحزاب] الآية خرج أمرنا إلى كل قائم في صف أو قاعد في أمام أو خلف أن لا يتكلم في الحرف بصوت ولا في الصوت بحرف ومن يتكلم بعدها كان الجدير بالتنكيل : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[ سورة النور ] .

وسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب وبسط العذاب ولا يسمع لمتـفقه في ذلك تحرير جواب؛ ولا يقبل عن هذا الذنب متاب؛ ومن رجع إلى هذا الإيراد بعد الإعلان وليس الخبر كالعيان رجع أخسر من صفقة أبي غبشان((1)) وليعلن بقراءة هذا الأمر على المنابر ليعلم به الحاضر البادي ويستوي فيه البادي والحاضر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل )) اهـ

وكان حدث في أيام صلاح الدين ابن أيوب أن يُقال  قبل أذان الفجر كلّ ليلة بمصر والشام : السلام على رسول الله،  صلّى الله عليه وسلّم واستمرّ إلى سنة سبع وستين وسبعمائة فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسي أن يُقال: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله،  الى أن جُعل عقب كلّ أذان .

وعده اليافعي في روض الرياحين من الأولياء الثلاثمائة اهـ.

 وفاة صلاح الدين

مرض السلطان صلاح الدين، ثم توفي بقلعة دمشق سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وعمره سبع وخمسون سنة، ولم يوجد في خزائنه إلاّ سبعة وأربعون درهما ودينار واحد،لم يُخلّف مُلكا ولا عَقارا. وكان ملكه للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة ؛ وملكه للشام نحو تسع عشرة سنة، وخلّف سبعة عشر ذكرا وابنة صغيرة. وأكبرهم الأفضل نور الدين علي. رحمه الله رحمة واسعة.

((1)) ملاحظة: وفي البداية والنهاية، لابن كثير الدمشقي(ج/ص: 2/ 267) فصل: تفويض قصي أمر الوظائف لابنه عبد الدار: وحكى الأموي، عن الأشرم، عن أبي عبيدة قال: وزعم قوم من خزاعة أن قصيًا لما تزوج حبى بنت حليل، ونقل حليل عن ولاية البيت جعلها إلى ابنته حبى، واستناب عنها أبا غبشان سليم بن عمرو بن لؤي بن ملكان ابن قصي بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود، فكان يقال أخسر من صفقة أبي غبشان اهـ.

Leave a Reply

will not be published

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.