ذكرى الإسراء والمعراج

image

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير وبيان

قال الله عزّ وجل :
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( الإسراء ” ١ )
اعلم أن الله تبارك وتعالى أكرم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بمعجزاتٍ باهراتٍ ومنهاالإسراء والمعراج
{سُبْحَانَ الذي أسرى بعبده} قال الخليل بن أحمد رضي الله عنه في ” العين ” سُبْحانَ اللهِ ، تنزيه لله عن كل ما لا ينبغي أن يُوصَف به ونَصبُه في موضع فِعْلٍ على معنى تَسبيحاً لله، تُريدُ سَبَّحْتُ تَسبيحاً للهِ أي نزَّهتُه تنزيهاً . انتهى
وسرى وأسرى لغتان والإسراء السير بالليل والمراد بقوله ” بعبده ” سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإجماع وتقيده ” أسرى ” بقوله {لَيْلاً} للتأكيد وقيل للدلالة على تقليل مدة الإسراء حيث أفاد قوله ” ليلًا ” بصيغة التنكير أنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام إلى المسجد الأقصى} روى البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلمٍ
عن أنس بن مالك لعله قال عن مالك بن صعصعة، رجل من قومه قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ” بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأُتيت فانْطُلق بي . وذكر حديث الإسراء والمعراج وقد بيّن البخاري في باب الصلاة أن المراد بالرجلين حمزة وجعفر ، حيث كان صلى الله عليه وسلّم بينهما حين هبط جبريل عليه السلام وانطلق به .
وفي الآية دليلٌ على جواز تسمية ما بُني للعبادة أيام الأمم السابقة مسجدًا فقد سمّى الله كُلًا من الكعبة الشريفة والأقصى المبارك مسجدًا مع أنهما ليسا من بناء أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم .
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام» قال: قلت: ثم أي؟ قال «المسجد الأقصى» قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة . الحديث … فكان آدم عليه السلام أول من بنى الكعبة ثم الأقصى ثم جدّد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بناء الكعبة وجدّد سليمان بن داود عليهما السلام الأقصى وقد سُمي بالأقصى لتقاصيه أي بعده عن المسجد الحرام
وهو بيت المقدس ولم يكن حينئذ وراءه مسجد {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} وذلك ببركات الدين والدنيا لأنه مُتَعَبدُ الأنبياء عليهم السلام ومهبط الوحي لكثيرٍ من المرسلين وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة ولا سيما الزيتون وزيت القدس أجود زيت الدنيا وكلما كان الزيتون أقرب إلى بيت المقدس كان أجود من غيره وفي الحديث عن أبي أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» رواه أحمد والترمذي والحاكم والطبراني في الكبير وغيرهم .
{لِنُرِيَهُ} أي محمداً عليه الصلاة السلام {مِنْ آيَاتِنَا} وهي الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق نبوته صلى الله عليه وسلم وفي الآية دليلٌ على أن هذه المعجزة كانت لتشريف الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بإطلاعه على جملةٍ من عجائب مخلوقات الله حيث رأى من الآيات ما شاء الله أن يرى ولم يكن المقصود من الإسراء والمعراج وصول رسول الله إلى مكانٍ ينتهي فيه وجود الله لأن الله موجودٌ بلا مكان {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} أي المتصف بالسمع بلا أذنٍ ولا آلةٍ أخرى {الْبَصِيرُ} وبصره جلّ وعز بلا حدقةٍ ولا آلةٍ أخرى .
وبنحو هذا قال أبو حيّان في البحر المحيط والخازن في لباب التأويل والقرطبي في جامعه والنسفي في مدارك التنزيل وغيرهم
فائدة :
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدّث الناس بالإسراء كذّبه كفار قريش فطلبوا منه أن يصف لهم الأقصى فجاء جبريل عليه السلام بصورة المسجد الأقصى فطفق صلى الله عليه وسلم ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب ، روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبتني قريش، قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» . انتهى
وفي البحر المحيط لأبي حيّان أنه كانت لقريشٍ عيرٌ قادمةٌ من الشام فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال: تَقدُم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق» فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية. فقال قائل منهم: والله هذه الشمس قد شرقت. وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلا سحر بيّن .
وفي المستدرك للحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت : وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم، إني لأصدقه في ما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبا بكر الصديق رضي الله عنه  .
والله تعالى أعلم وأحكم .

Leave a Reply

will not be published